تزامنا مع ذروة عودتهم إلى أرض الوطن تصدّر مجددا ملف الجالية التونسية واجهة الاهتمام الوطني باعتباره أحد المحاور التي ما فتئ رئيس الجمهورية قيس سعيّد يؤكد على أهميتها في مختلف المناسبات.
ففي ظل ما تمثله الجالية من ثقل ديمغرافي واقتصادي ومن دور متنام في دعم وإشعاع صورة تونس بالخارج، تبرز جملة من الإجراءات والبرامج التي وضعتها الدولة للإحاطة بأبنائها سواء على مستوى تحسين الخدمات القنصلية ومرافقة أفراد الجالية، أو من خلال المحافظة على ارتباط الأجيال الجديدة بهويتها الوطنية، فضلا عن تشجيع الكفاءات ورجال الأعمال التونسيين بالخارج على الانخراط في المجهود التنموي الوطني.
وتكشف هذه المقاربة عن رؤية تتجاوز البعد الخدماتي الظرفي لتؤسس لعلاقة أكثر استدامة بين الدولة وجاليتها بالخارج قائمة على اعتبارها شريكا فاعلا في مختلف الرهانات والاستحقاقات الوطنية.
الدولة مسؤولة عن أبنائها...
من هذا المنطلق يمثل التونسيون بالخارج امتدادا طبيعيا للوطن وعنصرا فاعلا في بناء حاضره ومستقبله، ولهذا يؤكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في مختلف لقاءاته وتصريحاته الرسمية على أن الدولة مسؤولة عن جميع أبنائها أينما وجدوا وأن واجب الإحاطة بهم وتيسير شؤونهم لا ينقطع بتجاوزهم الحدود الجغرافية للوطن.
وبالتالي تصبح مع كل صائفة مسألة تأمين حسن استقبال الجالية العنوان الأبرز للعمل الحكومي والدبلوماسي والقنصلي من خلال جملة من الإجراءات الرامية إلى تسهيل العودة وضمان أفضل الظروف للإقامة والقيام بمختلف الإجراءات الإدارية.
وضمن هذا التمشي تبرز مقاربة الدولة التي تعتمدها على مدار السنوات الأخيرة لتكشف عن رؤية شاملة تنظر إلى الجالية باعتبارها رصيدا استراتيجيا للدولة على عدة مستويات على غرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
فمن خلال الخطاب الرسمي أو الإجراءات الميدانية التي تم إقرارها مؤخرا يتضح أن التعاطي مع ملف التونسيين بالخارج أصبح جزءا لا يتجزأ من تصور متكامل يقوم على ثلاثة محاور أساسية: أولا تعزيز ارتباط أبناء الجالية بالدولة ومؤسساتها، ثانيا المحافظة على الهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة، ثالثا تثمين مساهمة الكفاءات والمستثمرين التونسيين بالخارج في النسيج التنموي الوطني.
الجالية صلب الرؤية السياسية للدولة
في محطات ومناسبات رسمية عديدة حرص رئيس الدولة قيس سعيّد على إيلاء ملف التونسيين بالخارج أهمية خاصة انطلاقا من قناعة مفادها أن المواطنة لا ترتبط بمكان الإقامة وإنما بالانتماء إلى الوطن. وقد انعكس هذا التوجه في عديد اللقاءات التي جمعت رئيس الدولة قيس سعيّد بأفراد من الجالية أو بمسؤولين معنيين بمتابعة أوضاعهم حيث تم التأكيد على ضرورة تطوير الخدمات الموجهة لهم وتذليل الصعوبات التي قد تعترضهم.
وتتمثل آخر هذه الإجراءات في حزمة التسهيلات التي أعلنت عنها وزارة الداخلية المتعلقة باستخراج وتجديد جوازات السفر في خطوة تعكس الحرص على مزيد تقريب الخدمات الإدارية من أفراد الجالية والاستجابة لمشاغلهم، ولا تقتصر أهمية هذه الإجراءات على بعدها التنظيمي فحسب بل تندرج ضمن توجه أوسع يهدف إلى تعزيز جودة الخدمات المسداة للتونسيين بالخارج وترسيخ علاقة أكثر نجاعة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وتندرج هذه المقاربة ضمن تصور متكامل للعلاقة بين الدولة ومواطنيها يقوم على استعادة الثقة في المؤسسات وتكريس مبدأ المساواة بين جميع التونسيين داخل البلاد وخارجها. فالدولة وفق هذا التوجه مطالبة بأن تكون حاضرة إلى جانب مواطنيها أينما وجدوا وأن توفر لهم الإحاطة اللازمة بما يرسخ شعورهم بالانتماء ويعزز ارتباطهم بالوطن.
وفي هذا السياق اضطلعت البعثات الدبلوماسية والقنصلية بدور محوري خلال الأشهر الأخيرة حيث تم العمل على تقريب الخدمات من الجالية وتنظيم أيام قنصلية متنقلة في عدد من المناطق التي تشهد كثافة سكانية تونسية. كما شهدت عديد السفارات والقنصليات تنظيم أيام مفتوحة أتاحت للمواطنين فرصة التواصل المباشر مع ممثلي الدولة وطرح مشاغلهم والحصول على الخدمات المطلوبة في ظروف أفضل.
ولا يمكن فصل هذه الجهود عن الدور الذي تضطلع به الجالية في دعم الإشعاع الدولي لتونس فالتونسيون المقيمون بالخارج يمثلون واجهة للبلاد في مجتمعات الإقامة ويساهمون من خلال نجاحاتهم المهنية والعلمية في تعزيز صورة تونس وإبراز كفاءاتها وطاقاتها البشرية، ومن هذا المنطلق، تبدو العناية بالجالية التونسية جزءا من رؤية سياسية تراهن على الاستثمار في العنصر البشري باعتباره أحد أهم آليات القوة الناعمة للدولة.
كما أن الخطاب الرسمي بات يتجه أكثر فأكثر خلال السنوات الأخيرة إلى اعتبار الجالية شريكا في صياغة مستقبل البلاد وليس مجرد طرف معني بالسياسات العمومية.
وفي هذا الخصوص، يعتبر رئيس الدولة قيس سعيّد أن التونسيين المقيمين بالخارج يمثلون جزءًا لا يتجزأ من الشعب التونسي، وأن ما راكموه من خبرات وكفاءات في بلدان الإقامة يُعدّ رصيدًا وطنيًا ينبغي توظيفه لخدمة المصلحة الوطنية. لذلك، ما فتئ رئيس الدولة قيس سعيّد يؤكد أهمية الإنصات إلى مشاغل الجالية وتيسير ارتباطها بمؤسسات الدولة، إلى جانب توفير الأطر الكفيلة باستقطاب مساهمتها في مختلف مسارات الإصلاح والتنمية. فالجالية، من وجهة نظره، تمثل قوة اقتراح وشريكًا في بناء تونس المستقبل، وبما تملكه من طاقات بشرية وخبرات فهي قادرة على المساهمة في دفع عجلة الاستثمار وفي تعزيز الحضور التونسي على الساحة الدولية.
المحافظة على الهوية الوطنية
وإذا كان البعد السياسي يعكس حرص الدولة على تعزيز صلتها بمواطنيها في الخارج فإن البعد الاجتماعي والثقافي يتجلى كرهان لا يقل أهمية بوصفه يسعى إلى المحافظة على الهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة من أبناء الجالية.
ويعكس إعلان ديوان التونسيين بالخارج خلال شهر أفريل الماضي عن إعادة بث سلسلة متكاملة من دروس اللغة العربية لفائدة أبناء الجالية وعيا بأهمية توظيف الوسائل الرقمية الحديثة للحفاظ على الروابط اللغوية والثقافية التي تجمع الناشئة بوطنهم الأم.
فهذا التوجه لا يقتصر على اكتساب مهارات القراءة والكتابة فحسب بل يمثل مدخلا أساسيا لترسيخ قيم الانتماء والمواطنة وتعزيز المعرفة بتاريخ تونس ومقومات هويتها الحضارية والثقافية. كما أن اعتماد محتوى تعليمي تفاعلي ومتكيف مع خصوصيات أبناء الجالية يؤكد توجه الدولة نحو تطوير آليات الإحاطة بهذه الفئة بما يضمن استمرارية الصلة بين الأجيال الجديدة وجذورها الوطنية ويحول دون انصهارها بالكامل في محيطها الثقافي بالخارج. وهو رهان استراتيجي يكتسي أهمية خاصة، بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن يضطلع به أبناء الجالية مستقبلًا في تعزيز حضور تونس وإشعاعها في مختلف بلدان الإقامة.
ومن منظور استراتيجي تمثل هذه البرامج استثمارا بعيدا المدى في مستقبل العلاقة بين تونس وأبنائها بالخارج فالدولة لا تسعى فقط إلى المحافظة على روابط قائمة بل تعمل على ضمان انتقال هذه الروابط من جيل إلى آخر حتى لا تنقطع الصلة بين الأجيال الجديدة ووطنها الأم.
وتكتسي هذه المسألة أهمية متزايدة في ظل التحولات العالمية المتسارعة وما تفرضه من تحديات على الهوية الوطنية ولذلك تبدو المحافظة على اللغة العربية والثقافة التونسية لدى أبناء الجالية جزءا من سياسة وطنية ترمي إلى حماية الرصيد الحضاري للبلاد وضمان استمراريته.
الجالية شريك اقتصادي فاعل ومؤثر
ولا يكتمل الحديث عن الجالية التونسية بالخارج دون الوقوف عند الدور المحوري الذي تضطلع به في دعم الاقتصاد الوطني باعتبارها إحدى أهم القوى الوطنية المساهمة في دفع التنمية وتعزيز الحركية الاقتصادية. فإلى جانب مساهمتها المتواصلة في دعم الاقتصاد الوطني عبر التحويلات المالية التي تمثل موردا هاما من موارد العملة الصعبة برزت الجالية خلال السنوات الأخيرة كمصدر للكفاءات والخبرات ورؤوس الأموال القادرة على المساهمة في إنجاز المشاريع وخلق مواطن الشغل واستقطاب الاستثمارات.
ومن هذا المنطلق تتجه مقاربة الدولة إلى تثمين هذا الرصيد البشري والاقتصادي وتشجيع أبناء الجالية على الانخراط بشكل أكبر في الدورة الاقتصادية الوطنية سواء عبر الاستثمار المباشر أو من خلال نقل الخبرات والتجارب الناجحة التي راكموها في بلدان الإقامة. وهو توجه ينسجم مع رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد التي عبر عنها في مناسبات عديدة والتي تعتبر التونسيين بالخارج شركاء فاعلين في تحقيق التنمية ومعاضدة الجهود الوطنية الرامية إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو وخلق الثروة.
وفي هذا الإطار وبتوجيهات مباشرة من رئيس الجمهورية قيس سعيّد كثفت الدولة والبعثات الدبلوماسية جهودها للتعريف بفرص الاستثمار المتاحة في تونس سواء في القطاعات التقليدية أو في المجالات الجديدة المرتبطة بالتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والصناعات المبتكرة. كما تم العمل على مرافقة المستثمرين من أبناء الجالية وتقديم الإحاطة اللازمة لهم قصد تحويل أفكارهم ومشاريعهم إلى استثمارات ملموسة على أرض الواقع.
وتحمل هذه المقاربة دلالات سياسية واقتصادية مهمة لأنها تعكس إرادة واضحة في تعبئة كل الطاقات الوطنية للمساهمة في المجهود التنموي. فالتحديات الاقتصادية التي تواجهها تونس اليوم تجعل من الضروري الاستفادة من خبرات وكفاءات أبنائها بالخارج ليس فقط كمصدر للتمويل بل أيضا كمصدر للمعرفة والتكنولوجيا والخبرة الإدارية.
ومن هذا المنطلق أصبح الحديث عن الجالية يتجاوز مفهوم الدعم المالي إلى مفهوم الشراكة الاستراتيجية. فالكفاءات التونسية بالخارج قادرة على لعب دور مهم في استقطاب الاستثمارات الأجنبية وفتح أسواق جديدة للمنتوجات التونسية ونقل الخبرات والتجارب الناجحة إلى الداخل.
كما أن عديد الكفاءات التونسية المتألقة في الخارج أصبحت تمثل اليوم جسرا فعليا بين تونس ومحيطها الدولي وهو ما يمنحها دورا رياديا في دعم الدبلوماسية الاقتصادية التي تراهن عليها الدولة في هذه المرحلة.
وتكشف العناية المتواصلة التي توليها الدولة في أعلى هرمها للتونسيين بالخارج عن رؤية تتجاوز الاعتبارات الظرفية والمناسباتية فالأمر لا يتعلق فقط بتسهيل العودة الصيفية أو تحسين الخدمات القنصلية وإنما يتعلق بمقاربة شاملة تعتبر الجالية جزءا لا يتجزأ من المشروع الوطني.
وعليه لم تعد الجالية التونسية بالخارج تُختزل في بعدها الديمغرافي أو الاقتصادي بل أصبحت تمثل أحد مكونات المشروع الوطني الذي تراهن عليه الدولة في مختلف أبعاده فبين المحافظة على الهوية الوطنية للأجيال الصاعدة وتطوير الخدمات الموجهة لأفراد الجالية وتشجيع مساهمتهم في الاستثمار والتنمية تتبلور مقاربة شاملة تؤكد أن التونسيين بالخارج يظلون جزءا فاعلا من النسيج الوطني وشريكا أساسيا في معركة البناء والتطوير وهو ما يفسر العناية المتواصلة التي يوليها رئيس الجمهورية قيس سعيّد لهذا الملف باعتباره استثمارا في الإنسان وفي مستقبل تونس.
.jpg)