كتاب 14 جانفي : حقيقة الساعات الأخيرة الحاسمة قبل رحيل الرئيس بن علي




تزامنا مع الاحتفال بالذكرى الثالثة عشر من قيام الثورة التونسية تعود اليوم مؤسسة التميمي للحديث عن الثورة التونسية في ندوة فكرية انعقدت يوم السبت 20 جانفي الجاري، وعودتها هذه المرة كان من أجل استكمال البحث عن حقيقتها ومعرفة خباياها وخفاياها وإجلاء الكثير من المحطات التي بقيت إلى اليوم غامضة وبقيت مبهمة…


الحديث لن ينتهي…


خصوصا وأن الحديث عن أحداث الثورة التونسية هو حديث لم ينته ولن ينتهي لارتباطه بجملة من الأسئلة التي تراوح مكانها دون أجوبة في علاقة بما حدث يوم 14 جانفي 2011 ومعرفة كيف غادر بن علي أرض الوطن؟

ومعرفة ما كان حاسما في سير الأحداث بتلك الطريقة التي يعرفها الجميع والتي عجلت برحيل بن علي وسقوط نظامه.


مساءلة؟


وعودة المؤسسة للحديث عن الثورة التونسية هذه المرة كان أيضا من أجل مساءلة السردية الرسمية التي تم ترويجها عن سقوط نظام حكم بن علي والبحث عن أجوبة لأسئلة قلقة حائرة في علاقة بحقيقة التدخل الأجنبي، وبالدور الذي قامت به جهات خارجية وما رتبته للتعجيل برحيل بن علي كما ذهب إلى ذلك الديبلوماسي الأسبق المازري الحداد في كتابه “الوجه الخفي للثورة التونسية ” باعتماده على نظرية المؤامرة….


تدبير أمريكي؟


حيث حسم الموضوع واعتبر أن الثورة التونسية لم تكن عفوية وإنما هي تدبير أمريكي وظّفت فيها الأسباب الموضوعية والواقعية التي كانت جاهزة ومتوفرة لقيام الثورة على نظام استبدادي تسلطي وفي علاقة بكل الإعداد والتخطيط الذي سبق اندلاع الأحداث بتلك الشاكلة التي حصلت، فكان الاختيار على كتاب ” 14 جانفي التحقيق ” للأستاذين عبد العزيز بلخوجة رجل القانون والناشر والباحث في التاريخ القديم والمتخصص في الحقبة القرطاجنية، وخاصة أبحاثه حول شخصية حنبعل له عدة روايات في هذا المجال، وطارق شيخ روحو رجل أعمال وهو حفيد المرحوم الحبيب شيخ روحو صاحب دار الصباح.


كتاب يفكك الساعات الأخيرة


الكتاب صدر في نسخة فرنسية سنة 2013 ونسخة عربية سنة 2014 أي سنتين تقريبا بعد الثورة وهي فترة يصعب فيها معرفة كل ما حصل وفي زمن لم تكتمل فيه الصورة والمشهد النهائي لم يتضح حيث من الصعب كتابة تاريخ ثورة بمثل تعقيدات الثورة التونسية وأحداثها لا تزال تتحرك وصورتها لم تكتمل بعد وهو كتاب نزعم أنه لم يلق من الاهتمام ما يستحق ومرّ مرور الكرام من دون أن يُهتم به، والحال أنه كتاب حوى الكثير من المعلومات التي تساعد على الفهم وتساعد على كتابة أحداث الثورة التونسية والتأريخ لذاكرتها بطريقة تقربها إلى حقيقة ما حصل فعلا..

قيمة الكتاب في كونه قد أرّخ لأحداث الثورة يوما بيوم وخاصة الأيام التي سبقت مغادرة بن علي للبلاد، والأيام الصعبة التي تلت هذا الحدث وهو عمل تطلب إنجازه أكثر من 16 شهرا من الأبحاث والتقصي والفهم والقيمة الأخرى أنه تناول الساعات الأخيرة ليوم 14 جانفي والتي حسمت حكم بن علي بداية من التاسعة صباحا وحتى الساعة السادسة مساء تاريخ إقلاع طائرة الرئيس نحو مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية وهي الساعات التي حسمت الثورة ورسمت مسارها.

قيمة الكتاب في كونه بنى سردية الثورة من منطلق الشك في كل ما قيل عنها ورفض كل ما هو متداول من مرويات وعدم الوثوق في كل المعلومات التي تم ترويجها سواء في المذكرات والمقالات أو الشهادات التي جاءت على لسان المسؤولين السياسيين وقيادات أحزاب المعارضة والأمنيين وكل الفاعلين من مختلف الجهات.


البحث في الحقيقة التاريخية


فالبداية كانت بوضع جانبا كل ما تم نشره واذاعته عن الثورة والانطلاق في البحث عن الحقيقة التاريخية لأحداث الثورة وإعادة الفهم والتحليل لما جرى من نقطة الصفر من منطلق أن الثورة تعرضت إلى الكثير من المغالطات والتضليل والشائعات والتشويه والتحريف لذلك كان التعويل في تركيب الأحداث والتوثيق لها لمعرفة حقيقة المسار الذي اتخذته على المصادر الأمنية والدبلوماسية والوثائق الرسمية والتقارير الإعلامية السرية،

وكل ما كان غير متاح للعموم وهي وثائق كثيرة..

ومن هناك بدأت الرحلة بعد الاتصال بعبد العزيز بلخوجة الذي رأى أن أفضل وسيلة للإفصاح عن هذه الوثائق التي تمثل جانبا مهما من حقيقة الثورة في إنجاز كتاب عنها وكتابة سردية عن أحداث الثورة التونسية من زاوية أخرى مختلفة عن كل الزوايا المتداولة.


قيمة الكتاب في كونه يقترح علينا سردية عن أحداث الثورة يقول عنها الأستاذ عبد العزيز بلخوجة أنها ترتقي إلى حقيقة ما حصل بعد إجلاء كل الغموض الذي ظهر في مختلف الروايات الأخرى بحيث لم تبق إلا عناصر قليلة فقط غامضة بخصوص حدث بدأ غامضا غير أنه تسبب في اندلاع احتجاجات عفوية انتهت بثورة شعبية شاركت فيها كل الفئات اشعلت الدنيا ووصل مداها إلى عواصم كثيرة حول العالم .. وحراك شعبي أسقط نظاما سياسيا من أعتى الأنظمة الأمنية في المنطقة العربية وحالة من الخوف والذعر في كامل المنطقة وفي دول الجوار وما رافق ذلك من استراتيجيات التوجيه والاحتواء والافشال والتوظيف حتى حصل الانحراف…


الساعات الحاسمة


الكتاب بحث استقصائي دقيق باليوم والساعة ركز على الساعات الحاسمة الأخيرة ليوم 14 جانفي 2011 والساعات الأخيرة المتبقية من نظام ديكتاتوري لم يكن أحدا يعتقد أنه سوف يرحل يوما أو ينتهي بكل تلك السرعة وحقيقة هروب الرئيس بن علي وأسبابه ودواعيه ودوافعه الحقيقية والدور الذي لعبه كل من سمير الطرهوني رئيس فرقة مكافحة الإرهاب وسامي سيك سالم الرجل الثالث في الأمن الرئاسي في إنجاح الثورة بطريقة عفوية غير مرتبة وهو دور حاسم حيث يتضح من خلال سرد الوقائع أنه لولا مبادرة الرجلين لما نجحت الثورة.


التدخل الأجنبي


حاول الكتاب إجلاء قضيتين مهمتين الأولى حقيقة ملف القناصة ومعرفة هل وجدوا فعلا ومن كان يقف وراءهم والثاني البحث في موضوع التدخل الأجنبي وهل فعلا كانت الثورة التونسية تدبيرا خارجيا وتمت بعقل أجنبي أم أن فكرة المؤامرة هي تضليل وتشويه للثورة للابتعاد بها عن حقيقتها ؟ الكتاب بدأ بأحداث يوم 17 ديسمبر 2010 يوم أحرق البوعزيزي نفسه وانتهى بـ يوم 27 فيفري 2011 تاريخ تولي الباجي قائد السبسي مقاليد الحكومة خلفا لمحمد الغنوشي ليفتح المجال لبحث جديد في الأسرار التي حفت بقدوم هذا الرجل وكل الأحداث التي حصلت بعد تسلمه الحكم.

القضية الكبرى التي يقوم عليها الكتاب وبحث فيها بكل دقة هي قضية هروب بن علي وتقديم سردية تعطي للأمنيين دورا كبيرا في تحقيق الثورة فما قام به سمير الطرهوني يوم 14 جانفي و تحوله إلى مطار تونس قرطاج لمنع الطرابلسية من السفر وانضمام فرق أمنية أخرى من الحرس وأمن المطار وعناصر أخرى مثل منعرجا حاسما في مسار الأحداث و تصرفا حاسما انجر عنه إفشاء حالة من الفوضى في كل الأجهزة الأمنية التي لم تعرف ماذا يفعل الطرهوني ومن يقف وراء تصرفه ولماذا أقدم على ما أقدمه دون أخذ رأي مرؤوسيه عند احتجاز عائلة ليلى بن علي؟


تمرد في الأجهزة الأمنية؟


هذا التصرف من الطرهوني قد أحدث بلبلة كبرى عند السياسيين ونقصد هما وزير الدفاع رضا قريرة ورئيس الحكومة محمد الغنوشي، وحالة من الخوف في قصر قرطاج حيث نقل علي السرياطي للرئيس بن علي التقارير الأمنية التي يخبر بها من قاعة العمليات عن تمرد لبعض الأجهزة الأمنية وعن عصيان لفرقة مكافحة الإرهاب مع فرق أخرى وهم من فرق النخبة، وما قاموا به من احتجاز أصهاره مع أنباء أخرى عن حرق المقرات الأمنية وعن عزم بعض المتظاهرين الهجوم على القصر هذا بالإضافة إلى المظاهرة الكبرى الموجودة أمام مقر وزارة الداخلية والمطالبة برحيل النظام كل هذه الأنباء زادت من مخاوف بن علي الذي اقترح عليه علي السرياطي مرافقة عائلته خارج الوطن إلى حين أن تهدأ الأجواء وقد كان السرياطي هو الآخر ينوي مغادرة أرض الوطن بعد أن حمل جواز سفره معه…


منعرج حاسم


هذه المعلومات التي أخبر بها سمير سيك سالم عن مرافقة السرياطي لبن علي وأخذه جواز سفره معه فهم منها أن رئيسه الأول قد قرر الرحيل مع الرئيس بن علي ففكر في حل لحالة الفراغ السياسي التي قد تحدث بعد ذهاب الرئيس وحصول شغور في أعلى رأس السلطة فأخذ القرار لدعوة فؤاد المبزع وكان وقتها رئيس مجلس النواب عبد الله القلال رئيس مجلس المستشارين ومحمد الغنوشي رئيس الحكومة بغاية ترتيب انتقال دستوري للسلطة حتى لا يحصل الفراغ في الحكم.

هاذان الحدثان اللذان قام بهما كل من سمير الطرهوني وسامي سيك سالم بدون أن يكون هناك رابط بينهما ولا تنسيق مسبق حيث لم يثبت من خلال الوثائق وجود مثل هذا الأمر قد مثل منعرجا حاسما ومؤثرا في مسار الأحداث وعجل بنهاية النظام وحسم الثورة بأن جعلها تتحقق فالقراءة والفهم الذي نخرج بهما من خلال ما سرده صاحبا الكتاب من جزئيات دقيقة لسير أحداث يوم 14 جانفي وما حصل في المطار وقصر قرطاج تؤكد أن الثورة التي بدأها الشعب وقام بها المهمشون وسكان الدواخل وأكملتها الطبقة الوسطى قد حسم أمرها الأمنيون بعد أن انحازت فرقا أمنية من النخبة إلى الشعب وقرروا إيقاف من كان سببا في الفساد وعجلوا بهذا التصرف رحيل بن علي بعد أن مثلت حركتهم خوفا كبيرا وذعرا له حيث وصفت حركة الطرهوني تمردا وعصيانا وتصرف سيك سالم انقلابا وانتقالا للسلطة غير شرعي ولا مبرر له.


استراتيجية مضادة للثورة


والسؤال الذي يفرض نفسه هل كانت الثورة لتتحقق فعلا ويغادر الرئيس بن علي أرض الوطن لولا تصرف فرقة مكافحة الإرهاب والواقع الذي خلفته في قصر قرطاج والتطور الذي أحدثته في إفشال مخطط الرئيس والمعاونين له في احتواء الثورة في علاقة بالبرنامج الذي كان يخطط له مروان المبروك وحكيم القروي لإنقاذ النظام؟ حيث أخذ بن علي بنصيحة من مروان المبروك وحكيم القروي وأعد استراتيجية مضادة للثورة تقوم على خطة اتصالية أوكلت مهمتها لوزير الاتصال آنذاك سمير العبيدي..


فكرة المؤامرة الخارجية


هذه السردية التي يقترحها الكتاب لتوضيح حقيقة أحداث الثورة في أيامها الحاسمة وساعاتها الأخيرة والتي تنسف فكرة المؤامرة الخارجية وتبعد فكرة التدخل الأجنبي وتجعل منها ثورة بدأت من حدث حرق البوعزيزي نفسه لتتحول إلى احتجاجات شعبية ثم مع الوقت توسعت رقعة الرفض الشعبي لتتحول إلى ثورة عمت كامل البلاد حسمها تمرد وعصيان أمني وتصرف فردي من قبل قسم من الجسم الأمني تقوده فرق النخبة لتحسم أمر الثورة وتجعلها تتحقق ويتم الانتقال الدستوري للسلطة بطريقة هادئة.

ما يمكن قوله بعد مناقشة هذا الكتاب والسردية التي يقترحها لأحداث الثورة التونسية بخصوص الساعات الحاسمة ليوم 14 جانفي 2011 أنه رغم الجهد الذي بذل في هذا الكتاب للتعرية عن بعض الأحداث التي لم تتضح حقيقتها وفهم ما حصل دون تمويه ولا إخفاء بالاعتماد على وثائق رسمية ووثائق أمنية واستخباراتية ودبلوماسية وسماعات وشهادات في محاضر رسمية فإن السؤال يبقى مشروعا في معرفة صدقية هذه المصادر؟ ومعرفة إلى مدى يمكن الوثوق في مثل هذه المصادر؟

وهل يمكن الشك فيما ورد في هذه الوثائق من معلومات التي تقدم حقائق مختلفة عن الحقائق المتداولة والتي يعرفها عموم الناس؟ فهل نحتاج إلى مزيد من الوقت حتى تتضح الصورة كاملة بكل تفاصيلها الواقعية؟ ..

إن المقلق في محاولة اقناع النفس والآخرين بأن الذي نقوله هو الحقيقة…